كنت أشارك فى برنامج «العاشرة مساء» مع الإعلامى «وائل الإبراشى» على قناة «دريم»، وأنا أعلم تماماً التوجهات الفكرية للضيوف، لكن الحلقة التى كان يُفترض أن تناقش «حبس الزوج إذا تزوج بأخرى دون علمها» لم تكن تتحمل مشاحنات أو معارك لأن القضية محسومة «شرعاً» حسبما نراه من تقييد المولى عز وجل لرخصة التعدد بـ«العدل» وهو المهمة المستحيلة. 

كانت طاولة الحوار تضم الكاتب المستنير «عادل نعمان»، ومحامياً سلفياً إخوانى الهوى يستقى معلوماته ويوزع أخباره على موقع «المصريون» المحجوب ويُدعى «عصام عجاج»، لكنه قرر فى بداية الحلقة أن يلقب نفسه بـ«الإرهابى»، وكان كذلك بالفعل، فحاول فرض الإرهاب الفكرى على المستنيرين منا كما يفعل دائماً. أما الضيف الأخير فهو الدكتور «عبدالمنعم فؤاد»، عميد كلية العلوم الإسلامية للوافدين بجامعة الأزهر، والذى نصب من نفسه وصياً على الإسلام ومحتسباً يوزع فتاوى التكفير وصكوك الغفران على الناس! وقد دارت بيننا معركة فكرية سابقاً، حين تحاورنا فى برنامج «كلام تانى» على نفس الشاشة، عقب قرارات الرئيس التونسى «الباجى قائد السبسى» فيما يتعلق بالميراث وزواج المسلمة بكتابى وقرارات أخرى. 

وفى الحلقة المشار إليها سألته بشكل محدد سؤالين لأثبت لهم أنهم يرتعشون خوفاً من «حق الاجتهاد»، وأن معارضتهم لقرارات «تونس» ما هى إلا دفاع عن «دولتهم الدينية» وما يستتبعها من نفوذ وثروات وسطوة جعلتهم يرمون هذا بالتشيع ويصمون الآخر بالكفر، ويطلقون كتائب الحسبة التابعة لمشايخ الأزهر على المفكرين والمجددين.. لأنهم من محترفى «بزنسة الدين»! سألت الدكتور «فؤاد»، مندوب الأزهر فى وسائل الإعلام: «هل هناك نص قرآنى صريح ألغى الرق والعبودية من الإسلام، أم أن الأمم المتحدة هى التى ألغته؟». أخذ يراوغ ويردد قصصاً مكررة عن حرص الإسلام على جعل تحرير العبيد و«عتق الرقبة» من الكفّارة، وأخذ يروّج لفكرة أن «تجارة الرقيق» كانت تجارة رائجة لا يمكن منعها لأنها تحقق «ثروات» وهو نفس منطق «داعش». 

وكنت أريد فقط أن أثبت له أن الاتفاقية الخاصة بالرق التى وُقّعت فى جنيف فى سبتمبر ١٩٢٦، وفى تعديلاتها، وضعت الضمانات الكاملة للقضاء الكامل على الرق بجميع صوره وعلى الاتجار بالرقيق، دون أن يتحدث أحد عن قدسية «النص» وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة وتعطيل «بزنس النخاسة» بقرار من الأمم المتحدة!
وكنت أعلم أن منطقه متهافت وحججه واهية، وأن أقصى ما يجيده هو تشويه «تيار الاستنارة»، وبلبلة عقول الناس بإخراج «حفريات التراث» المجهولة واستخدامها، لأن عقول البسطاء لا تستوعبها، فيحقق ما يريده من شهرة وارتقاء إلى مستوى «التقديس الزائف»! ثم سألته عن آية واحدة تحرم زواج «المسلمة» من «كتابى» 
وأضفت: «علماً بأن المسلم حين يتزوج بيهودية فإن نسله يدين باليهودية طبقاً لشريعتهم».. فأخذ الدكتور الجهبز يراوغ ويهلفط بكلام فارغ عن أن المسلم سيسمح لزوجته بالذهاب إلى الكنيسة، بينما المسيحى قد يمنعها من أداء شعائرها الدينية، وهو كلام مرسل يكشف فكره الضحل والمنهج السفسطائى الذى يضيّع أى قضية ويقلب الحقائق بمنطق فاسد، ولا يمت للإسلام بصلة!

حاول بعدها «فؤاد» أن ينشر مقالاً يرد به على ما أكتبه هنا فى جريدة «الوطن»، ولجأ لجريدة «الدستور»، فاتصل بى رئيس تحريرها الدكتور «محمد الباز»، فقلت له: «إن شاء الرد فليرد فى مكان النشر طبقاً للقواعد الصحفية المتبعة»، فجاءتنى مكالمة من «فؤاد» لأكثر من ساعة يعتذر ويكشف ازدواجيته ورعبه من أن أكشف «غزله السخيف» لكاتبة فى عمرى، ثم تراجع عن النشر -رغماً عن أنفه- وتحيّن فرصة للانتقام.. أولاً لأنه هُزم بالضربة العقلية القاتلة فى الحوار الأول، وثانياً لأنه يقدم نفسه لشيخ الأزهر كـ«مريد» مطيع يلعب كل الأدوار ببراعة ليحمى «مصالح العمائم» و«الكهنوت الدينى»! 

فوجئت، وأنا فى ضيافة «الإبراشى»، بهجوم مسعور من «فؤاد» علينا «أنا ونعمان»، وبأنه جاء مدججاً ببعض مقالاتنا (التى نلتزم بكل حرف فيها ونؤكد مسئوليتنا عنها). وفى حماسة الهجوم علينا لتقديم رؤوسنا لـ«كتائب الحسبة» لجأ «فؤاد» كعادته إلى التضليل وإرهاب خصومه فكرياً، فكانت المقالات تحمل رؤيتنا لزواج «المسلمة من كتابى».. وهو ما اعتبره «جريمة» معتمداً على جهل البعض، فسألناه فى صوت واحد: «هل هناك آية قرآنية واحدة تحرم زواج المسلمة بمسيحى»؟ 
أجاب «فؤاد» بما وقر فى يقينه «نتيجة انفعاله» وما يدرسه ويردده غالبية علماء الأزهر، فاستشهد بالآية الكريمة 221 فى سورة «البقرة»: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم».. 
فصرخنا فى صوت واحد «أنا ونعمان»: أنت تكفّر أهل الكتاب وتقول إن الأقباط مشركون! ثم هاجم، بجنون المتكالب على «منصبه» ورضا شيخ الأزهر، مقال الأستاذ «نعمان»، والذى استشهد فيه برأى شيخ الأزهر فى خطابه أمام البرلمان الألمانى! 

المهم هنا أن «عبدالمنعم فؤاد» قام بتكفير الأقباط «علناً» فى برنامج موثق بالصوت والصورة، تماماً كما فعل الشيخ «سالم عبدالجليل»، لكن لم يتحرك أحد لأنه «مسنود من شيخه»!.. 

وكأن «المجلس الأعلى للإعلام» ليست مهمته ملاحقة تلك الفتاوى الهدامة والمثيرة للفتنة، ولا «حسين زين»، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، يعلم أنه يقدم على شاشة ماسبيرو «عالماً تكفيرياً».. ولم يصل لعلم «النيابة العامة» بصفتها المحتسب عن الشعب أن هناك عالماً أزهرياً يحترف تكفير الأقباط! هذا بلاغ مقدم لسيادة النائب العام المستشار «نبيل صادق» ضد الدكتور «عبدالمنعم فؤاد» لوصفه الأقباط بالمشركين، بما يُحل أموالهم وأرواحهم ويثير الفتنة الطائفية، ويهدد السلم العام، ويحرض على الكراهية والإرهاب. 

بلاغ مقدم إلى كل من: رئيس المجلس الأعلى للإعلام، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام لمنع «فؤاد» من الظهور على الشاشة، وإلى شيخ الأزهر بصفته لمحاسبة «موظف» تابع لمؤسسته المحصنة بموجب الدستور.. هذا بلاغ إلى ضمير الأمة.
وختاماً، سيادة الرئيس: لقد وضع الدستور الدولة فى عصمة مشيخة الأزهر، ووضع قانون «ازدراء الأديان» المفكرين خلف القضبان.. آن الأوان لتصحيح الوضع فإن شئنا حقاً تحقيق «الاصطفاف الوطنى» فلنحقق العدالة بمحاكمة من يكفّر الأقباط.

إرسال تعليق Blogger

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

 
Top