تشهد المحاكم في مصر يوميا، قضايا غريبة يمكن أن يكتب عنها كتب ومؤلفات طوال، إلا أن بعض هذه القضايا يظل عالق في الذاكرة الجمعية، لما تشكله من نقطة هامة تفسر وتكشف: كيف كان يفكر المصريون؟ وكيف أصبحوا الآن؟   ومن بين هذه القضايا، القضية الشهيرة التي ترافع فيها القيادي الوفدي القبطي المعروف مكرم باشا عبيد، للدفاع فيها عن مواطن مصري مسلم، اتهم بسب الدين لجاره المسيحي، وهي الواقعة التي حكى تفاصيلها الكاتب فؤاد اسكندر في مقال له بجريدة الوفد منشور في مايو 2011.   وكان عبيد يعمل بجانب مهامه السياسية في المحاماة، وكانت أغلب القضايا التي يترافع فيها تلك التي تخص المتهمين بتهم سياسية، واشتهرت العديد من مرافعاته التاريخية وكان الناس في ذلك الوقت يرددون بعض الجمل التي حفظوها من مرافعاته، ونتيجة نبوغه في المحاماة بالإضافة إلى دوره الوطني، اختير نقيبا للمحامين ثلاث مرات، كما كان هو من ترافع عن الكاتب الكبير عباس العقاد حين اتهم بسب الذات الملكية.   ويقول اسكندر إنه وقعت مشاجرة في أحد قرى مصر بين شابين، أحدهما مسلم والآخر مسيحي، وقام المسلم بـ”سب الدين” للمسيحي، فما كان من المسيحي إلا أن رفع دعوى قضائية ضد جاره، وكانت جرائم “سب الدين” تحال إلى محكمة الجنايات في ذلك الوقت.   ويضيف أن أهل الشاب المسلم سارعوا وتوجهوا إلى القيادي الوفدي الكبير المحامي مكرم عبيد، وطلبوا منه أن يدافع عن ابنهم، وكلهم أمل في أن يساعدهم في إنقاذه من السجن، خاصة وأن الشاب المسيحي أحضر شهودا على الواقعة كان من بينهم مسلمين.   وبالفعل واقف مكرم عبيد على تولي القضية، وفي جلسة المحكمة، وقف القيادي الوفدي يخاطب القاضي مؤكدا أن الشاب المسلم لم يتعلم في المدارس، وأن كل ما حصل عليه هو ما تلقاه في كتاب القرية من حفظه للقرآن الكريم والأحاديث النبوية وبعض العمليات الحسابية البسيطة.   وبين مكرم عبيد للقاضي، أن الأطفال في ريف مصر يتعلمون في الكتاتيب أن “الدين عند الله الإسلام”، ومن ثم فإن الشاب المسلم لم يقصد “سب الدين” لأنه لا يرى دينا آخرا غير الإسلام، وبالتالي انتهت الجريمة من وجهة نظر الدفاع.   وتابع أن القول بأن سب الدين لقبطي جريمة، هو قول يخالف الأصل التشريعي الذي تسير عليه القوانين في مصر من أن الدين المقصود هو الإسلام، لأنه هو الدين الوحيد الذي يعتبره الإسلام دينا.   وهنا نظر رئيس المحكمة إلى مكرم باشا عبيد وقال له: “وهل تؤمن أنت بما تقول؟”، فجاء رد مكرم عبيد بكل هدوء: “يا سيادة المستشار أنا أقول ما تؤمن أنت به (لكم دينكم.. ولي ديني)”، فضجت المحكمة بالضحك من رد مكرم عبيد، فأصدر القاضي حكمه بالبراءة.   يذكر أن قانون العقوبات المصري الحالي، يعاقب على “سب الدين” أو ازدراء الأديان السماوية وتحقيرها بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تزيد عن 5 سنوات أو بغرامة مالية لا تقل عن 500 جنيه ولا تجاوز 1000 جنيه.

إرسال تعليق Blogger

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

 
Top