أُم العجزة والمرضى والمعدمين

إعلان أدسنس

آخر المواضيع

breaking/اخبار عاجلة/9
اخبار عامة

الأربعاء، 17 أغسطس، 2016

7:16:00 م

تكبير النص تصغير النص أعادة للحجم الطبيعي
الأم فاليريا، راهبة وشاعرة
ثم أُم العجزة والمرضى والمعدمين
[ الموضوع مأخوذ من مجلة مرقص ]
لقد عانت المرأة الأرثوذكسية في روسيا مع الرجل في جهادها ضد الإلحاد المفروض عليهما إبَّان الحكم الشيوعي في روسيا. وشخصية هذا العدد غريبة في سيرتها، كما تحكيها هي بنفسها في مقابلة شخصية مع ”صوفيا بير - تامويفا“، إذ بدأت نشاطها وهي في الرابعة من عمرها كشاعرة، ثم بدأت جهادها ضد الإلحاد وهي في الثانية عشرة وسُجنت، ثم وهي في الخامسة عشرة دخلت الدير، وفي العشرين سُجنت مرة أخرى لمدة ثلاث سنوات ونصف، ولم يُفرج عنها إلاَّ بعد موت ستالين (زعيم الاتحاد السوفييتي الأسبق)، ثم بدأت مشروعاً لطبع الكتب المقدسة وكتب الصلوات وتوزيعها بطريقة سرِّية لمدة 18 سنة إلى أن قُبض عليها مرة أخرى في عهد خروتشوف، وخرجت ثم قُبض عليها ثانية، ثم أُفرج عنها. ثم كلَّلت حياتها وهي في الثالثة والسبعين بجعل مسكنها مأوى للعجزة والمرضى والمُعدمين. وها هي تحكي قصتها بنفسها ...
حديث الأم فاليريا :
+ في سن الرابعة ألَّفتُ أول قصيدة لي: ”مجاعة سنة 1933“. ولم أكن قادرة على الكتابة آنذاك، وأمْليتُها على مربيتي ”ألكسندرة نيلوفنا“، فكَتَبَتها. لم يكن لأحد مربية إلاَّ أنا، وذلك عام 1933، وكانت سيدة عجوز، وكان البلاشفة (الشيوعيون) آنذاك قد اقتحموا مسكنها وأردَوْا زوجها وابنها قتيلين لغير ما سبب سوى لكونهم من الطبقة المتوسطة. ولم يمكنها الهرب إلاَّ بالقفز من النافذة، ولم يكن معها سوى ملابسها التي عليها. وهامت على وجهها إلى أن أحضروها إلى جدَّتي، حيث قضت بقية سنوات حياتها معنا، فعلَّمتني القراءة والكتابة والأخلاق الفاضلة، وكانت هي التي تأخذني إلى الكنيسة. أما جدَّتي فبالرغم من أنها كانت تُعلِّم في مدرسة سوفييتية، إلاَّ أنها كانت تتخفَّى وتلف نفسها بالشال الملوَّن الذي للمربية وتذهب إلى الكنيسة هكذا!
+ عشنا في مدينة ميدفيدكوفو، وكنا جماعة من الأصدقاء: باتيا التي صارت فيما بعد مُرتِّلة في دير بكييف، والصبي سيرابيون (فيما بعد صار متروبوليتاً)، وآخر مثله صار المتروبوليت طولا (فيما بعد) وقد انتقل، ونينا زوجة الأب ديمتري دودوكو (ذكرنا سيرته في عدد سبتمبر 2004). كنا جميعاً أصدقاء نذهب معاً إلى الكنيسة، وكثيراً ما كنا نحضر الخدمة الليتورجية التي يقودها الأسقف نيكولاي ونعطيه باقات من الزهور. وكنا نذهب إلى الريف ونصلِّي صلوات الساعات حيث كان هذا ممنوعاً أداؤه في موسكو.
+ ومرة قُبض عليَّ بتهمة كتابة شعر ضد السوفييت، وقد وَشى بي مدرس الطبيعة؛ أما التلاميذ فلم يفعلوا ذلك، لكنهم كانوا أشقياء، إذ أخذوا يتزحلقون على ترابزين المدرسة ويغنون ما كتبته من شعر:
[المجد لله، قوة السوفييت آخذة في الانحسار، والارتعاش والارتعاد على وشك الانكسار. ستالين من المحتمل أن يموت قريباً جداً، أو سيقتله أحدهم في أُمسية جميلة جداً].
أما بعض التلاميذ فلم يستمروا في إنشادها.
+ وقُبض عليَّ وكنتُ في الثانية عشرة. وحاول المدَّعي العام روبلييف أن يدَّعي أن جدَّتي، وهي من النبيلات، قد علَّمتني أن أكتب هكذا ضد السوفييت. وقد أنكرتُ ذلك طبعاً، وأكَّدتُ أن جدَّتي هي دائماً في مكان عملها، وأنا أقضي كل الوقت مع مربيتي التي لا تقدر أن تكتب ولا كلمتين اثنتين. لم أُظهر لهم مربيتي ولكني كنت أخاف عليها. وكان معي في الزنزانة صبي وضعوه معي. وكان يصرخ عالياً حينما قبضوا عليه ورحَّلوه، وكان يصيح. وتقدَّمتُ من الصبي على باب سيارة الشرطة وهو نازل منها وسألته :
- ”كم عمرك“؟
+ 15 سنة.
- وأنا 12 سنة وبنت، ومع ذلك لا أصرخ، وأنت رجل وتصرخ؟
+ لقد أخذوا والديَّ وسوف يرسلوني إلى المعتقل.
- تشجَّع، وبمعونة الله سوف تعيش! لا تصرخ، لا تجعلهم يفرحون فيك، إذ يسمعونك وأنت تصرخ ويرون دموعك.
ودفعني الحارس المرافق داخل الزنزانة.
ثم بعد 12 يوماً أطلقوا سراحي بشرط أن يكون معي حارس ومعلِّم. واستُدعيت إلى الإدارة السياسية المركزية حيث حضر اثنان سيُعيَّنان لي: واحد ليكون حارسي، وسيدة عمرها 65 سنة اسمها ”إفدوكيا“ وهي كاتبة سوفييتية لتكون معلِّمتي ولتراقب وتراجع أشعاري. ثم أخذني الحارس إلى جدَّتي، ولكنها كانت قد انتقلت. ثم عُدت إلى المدرسة، حيث ما زالت هذه الأحداث في ذاكرتي
إلى الدير :
رد مع اقتباس رد مع اقتباس
ثم أخذتني مربِّيتي إلى الأب ”سرجيوس“ الذي كان أسقف أوديسا، وسَرَدتْ له قصتي، وسأَلَتْه: ”هل يمكن أن تأخذ هذه الفتاة إلى أوديسا، أيها الأب، وتنقذها“؟ فاستغرق في التفكير ثم تساءل: ”ماذا تراني أفعل لها؟ إنها صغيرة جداً عن أن تكون سكرتيرة أو حتى عاملة نظافة (كنتُ في الخامسة عشرة آنذاك). لكن يمكنها أن تعيش في مكان إقامتي مع ابنتي وهي من نفس عمرها (كان الأسقف أرملاً)، وتشتغل في دير الراهبات، ثم في سنِّ السادسة عشرة أو السابعة عشرة نزوِّجها لأحد المقبلين للكهنوت“. فقلتُ له: ”ولكنني لن أتزوج، لم أحب شخصاً في حياتي... ولا أُفكِّر في أن يكون لي زوج وأطفال“. فابتسم وقال: ”عندك 3 أيام للتفكير، ثم تذهبين إلى الدير، حيث توجد هناك تامارا في سن 14، واثنتان باسم ماريا في سن 15، ثم فتيات قليلات، وكلهُنَّ لم يلبسن بعد الزي الرهباني. وبعد ذلك سأُعطيكُنَّ كلكُنَّ القلنسوة“. وهكذا توجَّهتُ إلى أوديسا.
وفي سن 16 حصلت على أول درجة في الحياة الرهبانية مع لقب ”خادمة“. وقضيت 4 سنوات في الدير. ثم نُقل الأب ”سرجيوس“ إلى مكان آخر، وأنا توجَّهتُ إلى موسكو لأرى والدتي، ولسوء حظي - كما قال لي حارسي - إذ كانت قد توفيت.
وفي يوم الجنازة ذهبتُ ومعي صديقنا الصبي سيرابيون (الذي سيصير فيما بعد المتروبوليت سيرابيون)، إلى مدافن دانييلو سكوي حيث كان أحد أقاربه مدفوناً. وسرنا وراء الأب الكاهن من مدفن إلى آخر ونحن نُرتِّل ”مباركٌ أنت يا رب“. وحينما عُدنا من هذه الجولة، إذ بسيارة كبيرة أنيقة كانت في انتظارنا، وأُلقي القبض علينا. أما ”سيرابيون“ فقد أفلت وجرى بعيداً، إذ كان ما زال صبياً.
ومكثتُ في السجن ثلاث سنوات ونصف. ولم يُطلق سراحي إلاَّ بعد موت ستالين. فأخذني واحد من أقربائنا البعيدين، وأدخلني في دير راهبات في زيتومير، حيث بقيت فيه إلى أن أُغلق.
المطبعة ”تحت الأرض“ :
سألت الصحفية التي أخذت الحديث من فاليريا: ”مِن أين أخذتِ كل هذه القوة“؟! فأجابت باندهاش: من الصعب أن تجدي أحداً أكثر طفولية مني. لقد ظهرت عليَّ الشجاعة حينما اقتنصنا خروتشوف! وكتبتُ وقتها شعراً:
[نحن الآن أقرب ما يكون من أبواب السماء، وذلك حينما تكف النفس عن أن تخاف. فإن ظهر بعدنا محاربون أشدَّاء فسيكونون هم الوريثين لنا في وب المقدسة].
+ في ذلك الوقت أُغلقت أديرة الراهبات في كل مكان. لكن السلطات لم تفعل ذلك بقرار هكذا ببساطة، بل اخترعت حجة لذلك. إذ حينما طردوا الراهبات من دير ومنسك بوشافسكي، أطلقوا إشاعة كاذبة ونشروها بأن أسقف الموضع ”بالادي“ قد أغلق الأديرة. وصدَّق شعب الكنيسة جداً ذلك، حتى أنهم في أحد البلاد كانوا على وشك أن يقتلوا ذلك الأسقف.
وكتبنا كثيراً من النشرات دفاعاً عن الأسقف، كاشفين هذه الإشاعة الكاذبة. وقد بدأ نشاط مطبعتي بهذه النشرات. وكنا أولاً نعمل أيقونات: نصوِّرها فوتوغرافياً، ثم نرسمها، ثم نضعها في إطار من الورق المعدني والزخارف، ثم نغلِّفها بالزجاج ونأخذها للقرى. ثم أحضرنا عمال طباعة وبدأنا في طبع كتب الصلوات. وكانت مطبعتنا بدائية جداً، إذ كنا نستخدم الطباعة النقطية، ثم طوَّرناها حسب فن طباعة ذلك الزمان.
وظللنا نفعل ذلك لمدة 18 سنة، فطبعنا ما لا يقل عن 500 ألف كتاب صلوات. وكان يُقبض علينا بين الحين والآخر، فكنا نغيِّر مكان المطبعة. وكان هناك قانون رقم 162 الذي يقضي بأن قائد أي تنظيم هو وحده الذي يُقبض عليه، وأنه إن ثبت أن هذا القائد مريض عقلياً فيُفرج عنه. وقد صرتُ أنا قائد هذه المطبعة، وحينما قبضوا عليَّ بموجب هذا القانون، أتقنتُ دوري كمريضة عقلياً، فأفرجوا عني. وعلى مدى 4 سنوات لم يمسَّني أحد.
ولكن في عام 1976، اكتشفوا أني لم أكن مريضة عقلياً، فوضعوني في الحبس مرة أخرى. وكان هذا العام هو ”عام المرأة“، وبناءً على ذلك فقد صدر من الدولة عفو عام شامل عن النساء السجينات لغير أسباب إجرامية. وكنتُ أتطلَّع إلى تطبيق هذا العفو عليَّ. وأتاني المدَّعي العام وقال لي: ”كنتُ على وشك العفو عنكِ، ولكن ادِّعاء المرض العقلي لا يدخل ضمن شروط هذا العفو. فإن كتبتِ لي ورقة تذكرين فيها في أي سنة بدأتِ الادِّعاء بالمرض العقلي، وما هي الأعراض التي ظهرتِ بها، وأنكِ كنتِ قائدة هذه المجموعة؛ فسوف أُطالب بالعفو عنكِ“.
ولا يتصور أحدٌ كَمْ كنتُ مجنونة، إذ وقعتُ في فخِّ كتابة اعتراف بخطِّي أني مذنبة (كما وقع في نفس الخدعة الأب ديمتري دودكو) بهذا الادِّعاء... إلخ. وأخذت ورقة وكنت على وشك الكتابة، حين التقت عيناي بعيني حارسي الذي كان واقفاً بجانب المدَّعي العام. فبَدَا عليه اليأس والوجه المكفهر وأخذ يخبط رأسه. وأنا غرقتُ في برودة وعرق غزير، وتردَّدتُ. وصار المدَّعي العام يصرخ ويزداد عصبية. وسألني: ”ألستِ بصحة الآن“؟ فأجبتُ: ”أنت تعرف أني بصحة سيئة جداً. لا يمكنني أن أكتب توقيعاً واحداً على الورقة“. وبدأ المدَّعي العام يهيج ويصرخ، ويهدِّد برفض تطبيق الإعفاء عليَّ. تصوَّري (الكلام موجَّه إلى الصحفية) كم من الأطباء كانوا سيُحاسَبون بسبب هذه الورقة، وكم كان سيعثر الكثيرون بسببها!! وبعد دقائق قليلة غادر المدَّعي العام مكتبه، وبعد وقتٍ قليل أُعفي عني.
ملجأ العاجزين والمعوَّقين :
الآن، الأم فاليريا، في الخامسة والسبعين من عمرها، وهي تبدو في حيوية، وروحها وثـَّابة جميلة، ووجهها بشوش، وابتسامتها حنونة. وغرفتها التي تسكن فيها ليس فيها موضع لقدم، لأن في كل متر مربع فيها يوجد مضجع ينام فيه بائس، هؤلاء الذين اتخذوا من بيتها مأوى وراحة. ولكن لم يظهر عليها أي علامة إرهاق بسبب هذه الحياة القاسية.
وبدأت الأم فاليريا تسرد قصة هذا الملجأ:
+ فمرة سأل عني الأب سرجيوس، فأتيتُ إليه وسألني: أين أمكث؟ فأخبرته. وكنتُ أسكن مع عمتي نونا، وهي راهبة أيضاً (وقد توفيت الآن). فردَّ عليَّ: ”هذا هو ما أبحث عنه. هل من الممكن أن يسكن بعض الناس عندكِ هم وأمتعتهم“؟ فأجبتُ: ”بالتأكيد يمكن“؛ إذ أن هؤلاء الناس الذين يأتون إلى موسكو ليشتروا أيقونات وكتب دينية وأدوات كنسية يحتاجون إلى مكان يأويهم (كان ذلك في أواخر الثمانينيات، أي بعد انتهاء الحُكْم الشيوعي).
وبدأنا في إيواء الناس، وبدأت راهبات يأتين إلينا ومعهن أقارب مرضى، ثم أتى أُناس مساكين بعضهم بلا أذرع، وبعضهم بلا أرجل، وبعضهم أُلقوا خارج المستشفيات، والبعض لم يكن له أين يقضي ليلته. وهنا بَدَأَتْ فكرة الملجأ في الظهور.
وكان رئيس أحد الأديرة يأوي كل إنسان بلا مأوى، ولكن لم يستمر في ذلك طويلاً، إذ حال دون ذلك بعض الأشخاص ذوي النيَّة غير الطيبة داخل الدير. والأب فلاديمير من كنيسة القديسة صوفيا بَنَى مسكناً للمشرَّدين. وكنيسة القديس ثيئودور العمودي رحَّبت بالمُعفَى عنهم بعد الاعتقال، ولم يجدوا مأوى يعيشون فيه، وقد بنى هؤلاء اللاجئون بعد ذلك منارة الكنيسة.
وفي مكان آخر، أعدَّ رجل عجوز، كان مدرساً سابقاً، ملجأً يأوي إليه المشرَّدون، وذلك في منزله.
وهنا عندي في غرفتي يسكن ما بين 15 - 20 شخصاً. ونحن لا نقبل الأصحاء، بل نقبل فقط المعوَّقين وكذلك الذين يتوكَّأون على العكاكيز، والعُرج. وأحياناً نرسل ذوي الصحة المتحسنة إلى شقق خالية في موسكو، بعث إلينا أصحابها بعناوينهم لنُرسل إليهم المحتاجين.


ي هذا الملجأ الصغير، نحن نحتاج إلى مَن يخلفني، ومن الأفضل أن تخلفني امرأة مؤمنة، ذات ذهن صحيح، وشخصية قوية، وفي نفس الوقت تكون أمينة وحازمة!!

إرسال تعليق

تعزيات